عباس حسن
210
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
--> - فهو يريد : أن كلمة « ضربا ) هي المسمى اللفظي المجازى لكلمة : « مصدر . ومقتضى هذا أن كلمة . « مصدر » اسم له مدلولان أو مفهومان ، وإن شئت فقل : له مسميان ، أحدهما : معنوي محض ؛ هو الحدث المجرد ، وهذا الحدث هو المسمى الحقيقي - لا المجازى - لكلمة : مصدر . والمسمى الآخر لفظي ؛ هو اللفظ الذي ننطق به ، أو نكتبه ، والذي نقول في إعرابه : إنه مصدر منصوب ، وهو المصدر المجازى المراد منه المصدر الحقيقي المعنوي - ثم قال بعد ذلك : ( واسم المصدر اسم للمعنى الصادر عن الإنسان وغيره ؛ كسبحان ؛ المسمى به : « التسبيح » الصادر عن الشخص المسبّح - مثلا - لا لفظ التاء ، والسين ، والباء ، والياء ، والحاء ، بل المعنى المعبر عنه بهذه الحروف ، ومعناه البراءة والتنزيه ) ا ه - راجع ياسين على التصريح - ويفهم مما سبق أن اسم المصدر كالمصدر المجازى السالف ؛ كلاهما يدل مباشرة على الحدث المجرد من غير واسطة . ولكن كثيرا من المحققين يقولون إن اسم المصدر يدل مباشرة على لفظ المصدر لا على الحدث المجرد ، وأن دلالته على لفظ المصدر تؤدى - تبعا - إلى الدلالة على معنى المصدر ، وبذا تكون دلالته على الحدث المجرد دلالة غير مباشرة ، وإنما هي بالواسطة ؛ إذ هي من طريق المصدر . ( راجع الخضري والصبان في هذا الموضع من الباب ) . ومن أوضح أسماء المصادر كل اسم يدل على معنى مجرد ، وليس له فعل من لفظه يجرى عليه ؛ كالقهقرى ؛ فإنه لنوع من الرجوع ، ولا فعل له - في المشهور - يجرى عليه من لفظه . وكذلك كل اسم يدل على معنى مجرد ، ويجرى على وزن مصدر الثلاثي ، مع أن الفعل المذكور معه في الجملة غير ثلاثي ؛ مثل : توضأ وضوءا ، وأعان عونا ، وما شابههما من الوارد المسموع - كالشأن في جميع أسماء المصادر فإنها مقيدة بالسماع - . بقيت مسألة هامة ، تتلخص في : أن بعض الباحثين المحققين ينكر وجود قسم مستقل يطلق عليه : « اسم المصدر » . وحجته : ما سبق هنا ، وأن تعريف المصدر الأصيل ينطبق عليه . وهذا رأى قوىّ ودفعه عسير . ومسألة أخيرة : ( أشرنا إليها في ص 183 ) ، نوردها بمناسبة دلالة المصدر - في الغالب - على شئ واحد من شيئين يدل عليهما الفعل ؛ فإن هذه الدلالة تثير سؤالا : أيهما أصل للآخر ؟ فالبصريون يقولون : المصدر . ويحتجون بأدلة ، أقواها : أنه يدل على شئ واحد ؛ هو : المعنى المجرد ؛ فهو « بسيط » . والفعل الماضي يدل على شيئين ؛ المعنى والزمن ؛ فهو مركب . و « البسيط » أصل المركب . والكوفيون يقولون : الفعل الماضي هو الأصل الذي يدخله بعض التغيير . فتتفرع منه المشتقات ؛ لأنه يدل على ما يدل عليه المصدر وزيادة ؛ والذي يتضمن غيره والزيادة عليه يعد أصلا له . وهذا - وغيره مما ذكره الفريقان - لا يعدو أن يكون أدلة جدلية دفاعية ، لها طلاوة الجدل القوى ، وليس لها قوة الحجة المنطقية ، ولا صحة البرهان . إذ ليس لدينا في المشتقات الكثيرة المسموعة عن العرب ما يدل من قرب أو بعد على الأصل الذي تفرع منه هذا المشتق . أما المسألة في واقعها فليست إلا مجرد اصطلاح محض . غير أن كلمة : « المصدر » في أصلها اللغوي معناها : « الأصل » وقد شاعت بهذا المعنى بين أكثر النحاة . وأطلقوها اصطلاحا على أنها أصل للفعل وللمشتقات كلها . فلا ضرر من الأخذ بهذا . والاقتصار عليه .